الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
61
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
23 ] ، فقد كتموا . فقال ابن عبّاس : إنّ اللّه يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، فقال المشركون : تعالوا نقل : ما كنّا مشركين ، فختم اللّه على أفواههم فتنطق أيديهم » . [ 131 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 131 ] ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) استئناف ابتدائي ، تهديد وموعظة ، وعبرة بتفريط أهل الضّلالة في فائدة دعوة الرّسل ، وتنبيه لجدوى إرسال الرّسل إلى الأمم ليعيد المشركون نظرا في أمرهم ، ما داموا في هذه الدار ، قبل يوم الحشر ، ويعلموا أنّ عاقبة الإعراض عن دعوة الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم خسرى ، فيتداركوا أمرهم خشية الفوات ، وإنذار باقتراب نزول العذاب بهم ، وإيقاظ للمشركين بأنّ حالهم كحال المتحدّث عنهم إذا ماتوا على شركهم . والإشارة بقوله : ذلِكَ إلى مذكور في الكلام السّابق ، وهو أقرب مذكور ، كما هو شأن الإشارة إلى غير محسوس ، فالمشار إليه هو المذكور قبل ، أو هو إتيان الرّسل الّذي جرى الكلام عليه في حكاية تقرير المشركين في يوم الحشر عن إتيان رسلهم إليهم ، وهو المصدر المأخوذ من قوله : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [ الأنعام : 130 ] فإنّه لمّا حكى ذلك القول للنّاس السّامعين ، صار ذلك القول المحكي كالحاضر ، فصحّ أن يشار إلى شيء يؤخذ منه . واسم الإشارة إمّا مبتدأ أو خبر لمحذوف تقديره : ذلك الأمر أو الأمر ذلك ، كما يدلّ عليه ضمير الشأن المقدّر بعد ( أن ) . و أَنْ مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، كما هو استعمالها عند التّخفيف ، وذلك لأنّ هذا الخبر له شأن يجدر أن يعرف والجملة خبر أَنْ ، وحذفت لام التّعليل الداخلة على أَنْ : لأنّ حذف جارّ أَنْ كثير شائع ، والتّقدير : ذلك الأمر ، أو الأمر ذلك ، لأنّه - أي الشأن - لم يكن ربّك مهلك القرى . وجملة : لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ هو شأن عظيم من شؤون اللّه تعالى ، وهو شأن عدله ورحمته ، ورضاه لعباده الخير والصّلاح ، وكراهيته سوء أعمالهم ، وإظهاره أثر ربوبيته إياهم بهدايتهم إلى سبل الخير ، وعدم مباغتتهم بالهلاك قبل التقدّم إليهم بالإنذار والتنبيه . وفي الكلام إيجاز إذ علم منه : أنّ اللّه يهلك القرى المسترسل أهلها على الشّرك إذا أعرضوا عن دعوة الرّسل ، وأنّه لا يهلكهم إلّا بعد أن يرسل إليهم رسلا منذرين ، وأنّه أراد حمل تبعة هلاكهم عليهم ، حتى لا يبقى في نفوسهم أن يقولوا : لولا رحمنا ربّنا فانبأنا